رئيس التحرير
أيمن حسن

بعد 150 عاما من التنقيب.. صور الأقمار الصناعية تحدد مقابر كهنة بتاح بسقارة وتحقق حلم مارييت باشا

وجه مصر

حددت صور الأقمار الصناعية موقع مقبرة «سابو» وابنه «بتاح شبسس» وكبار كهنة بتاح، وذلك بعد مرور أكثر من 150 عاما من محاولات مارييت باشا عن  كشف مقابرهم بسقارة.  

جغرافيًا، تمتد جبانة سقارة لمسافة 4 أميال طولا وعرض ميلين، وتضم مجموعة من الأهرامات والمعابد الجنائزية، وتختلف مقابرها عن أي مقابر أثرية في أقاليم مصر. 

وقد ظهرت سقارة للوجود بعد أن قرر الملك زوسر نقل العاصمة إلي منفيس؛ حيث أمر بأن تبني له مقبرة بجوار منف، وأن يعتني بمرقده الأخير، واختار وزيره إمحوتب كبير وزرائه لتخطيط هذه البقعة، وبُني الهرم المدرج ليكون الحدث هو مولد سقارة.

أما الإله بتاح ـ حسب الاعتقادات المصرية القديمة ـ فهو سيد الحقيقة والعدالة والأبدية، ورب الصناع والحرفيين، كما يُعتقد أن اسم مصر باللغة اليونانية (Egypt) مشتق من الاسم القديم لمعبده في منف، وهو حوت-كا-بتاح؛ أي معبد (روح بتاح). 

بدوره يقول المؤرخ الأثري فرنسيس أمين، إن بتاح هو إله منف الأكبر، وكانت زوجته سخمت آلهة الحرب، وقد خلق بتاح العالم بكلمة منه، وكان حاميًا للصناع والفنانين. 

وفي منتصف القرن التاسع عشر، وبالتحديد عام 1850م، حضر الفرنسي أوجست فرديناند مارييت باشا لمصر لشراء مخطوطات قبطية لمتحف اللوفر بباريس، لكنه عند زيارته لمنطقة سقارة تغيرت وجهته تمامًا، حيث وقع علي تمثال صغير يطل برأسه من بين الرمال، فأخذ يكشف عنه فإذا به يجد تمثالًا صغيرًا يُشبه أبوالهول، وبهذا الكشف بدأ عمله الكشفي في منطقة سقارة. 

ويوضح فرنسيس أمين، أن مارييت باشا استخدم المال الذي أحضره لشراء المخطوطات القبطية والكشف عن حدائق سقارة الأثرية، ولمدة عامين عمل استراحة له باسمه في المنطقة، وفي عام 1852م كشف عن الكثير عن آثار سقارة، منها مقبرة العجول وغيرها من الاكتشافات التي خلدت اسمه في عالم الآثار، وقد كشف مارييت باشا عن صفحة مطوية من صفحات التاريخ، كانت تقبع في رمال الصحراء، وقد استخدمته الحكومة المصرية فعينته مديرًا لمصلحة الآثار، وظل بها حتى وفاته عام 1881م فدُُفن في تابوت خاص أمام المتحف المصري بناء علي وصيته، وقد كرمته مصر لمجهوداته العظيمة، وتم وضع تمثال تذكاري له بالمتحف بالقرب من ضريحه. 

اكتشف "مارييت" الكثير من التوابيت التي كانت تضم العجل أبيس المحنط المحاط بعقود الذهب والأحجار الكريمة والنفيسة، وهي التوابيت التي نجت من اللصوص في أزمنة سابقة، بعد أن استعصي عليهم زحزحة الأغطية الحجرية، وقد كان السرابيوم عبارة عن ثلاثة أنفاق تحت باطن الأرض وفي صميم الكتلة الحجرية، يبلغ مجموع الطول 1150 قدما وعرضه 10 أقدام وارتفاعه 7 أقدام، وقد عثر مارييت علي 4 آلاف لوحة تذكارية سجل فيها بعض الملوك زيارتهم لهذه المقبرة، بالإضافة لتسجيل بعض الأحداث الهامة، كحادثة العجل أبيس الذي قتله الملك الغازي قمبيز الفارسي والذي لقي حتفه وجيشه في الرمال

كشف مارييت 3 أنفاق تحت الأرض وعثر على4 آلاف لوحة تذكارية توحي زيارة الملوك لهذه المقبرة التي تضم الكثير من الأهرامات، أما في عام 1941م، فقد عثر الأثري أحمد بدوي على سريرين من المرمر كانا يستعملان لتحنيط العجل أبيس بجوار معبد بتاح، وبلغ طول السرير الواحد 6.4 متر بارتفاع 1.1 متر، ويعتبر من أندر وأجمل القطع الفنية التي كانت معدة لتحنيط الحيوان المقدس عند المصريين القدماء.

وقد انكب الأثريون كثيرًا لتحديد عمر القدماء المصريين، حيث دلت الأبحاث أن أعمار المصريين كانت لا تتعدى 45 عاما، إلا إن اكتشاف أكبر معمر موظف فى مصر، وصل عمره للستين عاما، وهذا أمر مثير فى علم الاكتشافات الأثرية فى عهد الدولة القديمة حتى الآن.  


بيان وزارة السياحة والآثار 

في إطار زيارته اليوم لمنطقة آثار سقارة، قام  شريف فتحي وزير السياحة والآثار، بجولة تفقدية لعدد من مواقع الحفائر الأثرية بالمنطقة، لمتابعة سير أعمال البعثات الأثرية العاملة بها، والاطلاع على أحدث الاكتشافات الأثرية التي أسفرت عنها أعمالها، وما يتم تنفيذه من أعمال بحثية وعلمية وتوثيق وترميم.

وشملت الجولة تفقد أعمال البعثة الأثرية التابعة للمعهد التشيكي لعلم المصريات، والتي نجحت مؤخرًا في إعادة الكشف عن عدد من المقابر التي تعود إلى عصر الدولة القديمة، من بينها مقابر لكبار كهنة الإله بتاح وكبار موظفي الدولة، وذلك في إطار مشروع بحثي طويل الأمد يهدف إلى إعادة اكتشاف وتوثيق المقابر التي سبق الكشف عن أجزاء منها خلال القرن التاسع عشر، قبل أن تغطيها الرمال وتختفي معالمها مجددًا.

وخلال الجولة، استمع الوزير إلى شرح مفصل من الدكتور محمد مجاهد نائب رئيس البعثة حول طبيعة أعمال الحفائر والدراسات الأثرية التي يتم تنفيذها، وأبرز نتائجها، حيث تفقد مقبرتي «سابو» وابنه «بتاح شبسس»، اللذين شغلا مناصب رفيعة خلال عصر الدولة القديمة، واطلع على ما تم الكشف عنه من عناصر معمارية ونقوش ومناظر أثرية، من بينها مقصورة القرابين الخاصة بـ«إيخت نفرت»، زوجة «سابو»، والتي تم الكشف عنها لأول مرة، إلى جانب حجرة الدفن الخاصة بـ«بتاح شبسس»، وما عُثر بداخلها من تابوت من الحجر الجيري يضم رفاته.

وقد أعرب السيد شريف فتحي عن تقديره للجهود العلمية والبحثية التي تبذلها البعثة التشيكية، وما حققته من نتائج تسهم في الكشف عن المزيد من تفاصيل الحياة الدينية والاجتماعية والعمارة الجنائزية خلال عصر الدولة القديمة، مؤكدًا أن هذه الاكتشافات تعكس ما تزخر به منطقة سقارة من كنوز أثرية وأسرار لم يُكشف عنها بعد.

وأشار إلى أن الوزارة تولي اهتمامًا كبيرًا بدعم أعمال البعثات الأثرية المصرية والأجنبية العاملة في مختلف المواقع الأثرية، وتعزيز التعاون مع المؤسسات العلمية والبحثية الدولية المتخصصة، بما يسهم في استمرار أعمال البحث والتنقيب وفقًا لأحدث الأساليب والمعايير العلمية، وتبادل الخبرات وبناء قدرات الكوادر الأثرية المصرية، فضلًا عن الحفاظ على التراث الحضاري المصري وإبراز قيمته التاريخية والإنسانية.

كما حرص الوزير على التعرف على خطط عمل البعثة خلال الفترة المقبلة، وما تتضمنه من استكمال أعمال الحفائر والدراسات العلمية والترميم، مؤكدًا أهمية مواصلة هذه الجهود للكشف عن المزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، وإثراء المعرفة العلمية بتاريخها.

ومن جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أهمية أعمال البعثة التشيكية تكمن في إعادة الكشف عن مقابر لم تُستكمل حفائرها منذ القرن التاسع عشر، بما يتيح دراستها وتوثيقها وفق أحدث الأساليب العلمية، والكشف عن تفاصيل جديدة تتعلق بالعمارة الجنائزية والحياة الدينية والاجتماعية لكبار رجال الدولة خلال عصر الدولة القديمة.

وأشار إلى أن أعمال الكشف الأولى عن هذه المقابر تعود إلى الفترة بين عامي 1858 و1860، على يد عالم الآثار الفرنسي أوغست مارييت، مؤسس مصلحة الآثار المصرية، الذي كشف آنذاك عن نحو 160 مقبرة تعود إلى فترات مختلفة من عصر الدولة القديمة، إلا أن أعمال الحفائر اقتصرت على أجزاء محددة منها، شملت مقاصير القرابين والسراديب وبعض حجرات الدفن، دون استكمال الكشف عن باقي عناصرها المعمارية أو توثيقها بصورة شاملة، قبل أن تغطيها الرمال وتختفي معالمها مجددًا.

وأوضح الدكتور ميروسلاف بارتا رئيس البعثة الأثرية التشيكية، أن من أبرز  نتائج الأعمال الكشف لأول مرة عن مقصورة قرابين خاصة بـ«إيخت نفرت»، زوجة «سابو»، والتي لم يتمكن مارييت من العثور عليها خلال حفائره السابقة، إلى جانب باب وهمي يحمل مناظر لها برفقة زوجها وابنيهما «بتاح شبسس» و«رع نفر»، بما يضيف معلومات جديدة عن أفراد الأسرة وعلاقاتهم العائلية.

وأضاف أن مقبرة «سابو»، الواقعة شمال مقبرة ابنه، تبلغ أبعادها 54 × 28 مترًا، ويُقدر ارتفاعها الأصلي بنحو خمسة أمتار، وتتميز واجهاتها الخارجية بزخارف معمارية تحاكي واجهات القصور الملكية، فيما تضم مقصورة القرابين نقوشًا بارزة بحالة جيدة من الحفظ، تصور «سابو» وابنه «بتاح شبسس» وهما يشرفان على مواكب حاملي القرابين، وتتميز بدقة تنفيذها وجودتها الفنية.

وأشار إلى أن البعثة نجحت كذلك في إعادة تحديد موقع مقبرة «بتاح شبسس»، بالاستعانة بصور الأقمار الصناعية وأعمال المسح الميداني، حيث تبين أنها تمتد على مساحة تزيد على 900 متر مربع، وتضم حجرة للقرابين ومدخلًا مزينًا بنقوش تصور مواكب حاملي القرابين ومشاهد ذبح الأضاحي.

وأوضح محمد عبد البديع رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، أن من أهم نتائج أعمال الحفائر بمقبرة «بتاح شبسس» الكشف عن حجرة الدفن، التي يتم الوصول إليها عبر ممر هابط ضخم من الجهة الشرقية، حيث عُثر بداخلها على تابوت من الحجر الجيري يضم رفات صاحب المقبرة، الذي شغل مناصب رفيعة خلال عهود أربعة من ملوك الأسرة الخامسة، وهم ساحورع، ونفر إير كارع، ورع نفر أف، ونيوسررع.

وأشار إلى أن «بتاح شبسس» يُعد، وفقًا لما تشير إليه الدراسات الأثرية، أول مسؤول من خارج العائلة المالكة يتزوج من أميرة مصرية، وهي الأميرة «خع ماعت»، ابنة الملك أوسركاف، مؤسس الأسرة الخامسة، وهو ما يعكس المكانة الرفيعة التي تمتع بها خلال تلك الفترة.

ومن جانبه، أوشار الدكتور محمد مجاهد، أنه على الرغم من تعرض مقبرة «بتاح شبسس» للسرقة في العصور القديمة، وفقدان الحلي والمقتنيات الثمينة، فقد ظلت بقايا موميائه محفوظة، مما أتاح لفريق من علماء الأنثروبولوجيا المصريين فحصها ودراستها.

وأضاف أن نتائج الدراسة أظهرت أن «بتاح شبسس» توفي عن عمر تجاوز الستين عامًا، وهو ما يتوافق مع المعلومات الواردة في نقوش سيرته الذاتية، ويُعد عمرًا متقدمًا بمقاييس تلك الفترة من التاريخ المصري القديم.

وأشار إلى أن البعثة تواصل أعمال الدراسة والترميم بالمقبرتين، إلى جانب استكمال الحفائر للكشف عن باقي مقابر الجبانة المنسية بمنطقة سقارة، بما يسهم في إلقاء مزيد من الضوء على تاريخ كبار رجال الدولة والكهنة خلال عصر الدولة القديمة، وتوثيق ما تضمه هذه المقابر من عناصر معمارية وفنية ونقوش أثرية مهمة.

تم نسخ الرابط