في ذكرى رحيله..الفنان حسين رياض.. الأب الطيب القادم من السيدة زينب وتعلقت قلوبنا به
تحل اليوم، 17 يوليو، ذكرى وفاة الفنان الكبير حسين رياض، أحد أبرز أعمدة الفن المصري والعربي، وصاحب المسيرة الاستثنائية التي امتدت لما يقرب من نصف قرن، وترك خلالها إرثًا فنيًا ضخمًا في المسرح والسينما والإذاعة، جعل اسمه حاضرًا في ذاكرة الأجيال باعتباره أحد أهم من جسد شخصية الأب المصري بكل ما تحمله من حكمة وحنان وهيبة.
ولد حسين رياض، واسمه الحقيقي حسين رياض محمود شفيق، في حي السيدة زينب بالقاهرة، لأب مصري يعمل في تجارة الجلود وأم سورية، ونشأ داخل أسرة ميسورة الحال تعود أصولها إلى جزيرة كريت، ومنذ طفولته، ارتبط بالمسرح بعدما كان والده يصطحبه مع شقيقيه مصطفى وفؤاد شفيق إلى عروض الفنان سلامة حجازي، لتبدأ من هناك أولى خطوات عشقه للفن.

ورغم التحاقه بالكلية الحربية في بداية حياته، فإن شغفه بالتمثيل كان أقوى من أي طريق آخر، فترك الدراسة العسكرية وقرر أن يكرس حياته للفن، بعدما وجد التشجيع والدعم من الفنان الرائد عزيز عيد، الذي لعب دورًا مهمًا في توجيهه نحو الاحتراف.
كانت أولى خطواته الاحترافية عام 1916 من خلال مسرحية خلي بالك من إميلي، على مسرح جورج أبيض، وشارك في بطولتها إلى جانب روز اليوسف. وخوفًا من اعتراض أسرته على احتراف التمثيل، غيّر اسمه من حسين محمد شفيق إلى حسين رياض، وهو الاسم الذي ظل ملازمًا له حتى أصبح واحدًا من أشهر الأسماء في تاريخ الفن المصري.
وفي عام 1923، انضم إلى فرقة رمسيس التي أسسها الفنان يوسف وهبي، لتنشأ بينهما علاقة فنية وإنسانية مميزة استمرت سنوات طويلة. كما تنقل بين عدد من أهم الفرق المسرحية في ذلك الوقت، منها فرقة فاطمة رشدي، والريحاني، ومنيرة المهدية، وعلي الكسار، وعكاشة، واتحاد الممثلين، وهو ما ساهم في صقل موهبته وتنوع أدواره المسرحية.

وعندما بدأت السينما المصرية في فرض حضورها، كان حسين رياض من أوائل الفنانين الذين انتقلوا إليها، فشارك في زمن السينما الصامتة من خلال فيلم "صاحب السعادة كشكش بك" عام 1931، ثم واصل نجاحه مع بدايات السينما الناطقة، وقدم أعمالًا مهمة مثل الدفاع وسلامة في خير ولاشين، قبل أن يصبح أحد أكثر الممثلين مشاركة في تاريخ السينما المصرية.
تميز حسين رياض بقدرته الفريدة على تجسيد الشخصيات الإنسانية، فكان الأب الحنون، والقاضي العادل، والمعلم الحكيم، والرجل الوقور، حتى أصبحت ملامحه الهادئة وصوته الرزين جزءًا من ذاكرة المشاهد العربي. وبرغم ارتباطه بهذه النوعية من الأدوار، فإنه نجح أيضًا في تقديم شخصيات متنوعة أثبتت قدرته الكبيرة على التلون والابتعاد عن النمطية.

وخلال مسيرته الفنية، شارك فيما لا يقل عن 147 فيلمًا سينمائيًا، إلى جانب نحو 140 مسرحية، من أبرزها: العشرة الطيبة، شهرزاد، مدرسة الفضائح، مصرع كليوباترا، القضاء والقدر، تاجر البندقية، أنطونيو وكليوباترا، عاصفة على بيت عطيل، والعباسة. كما أثرى الإذاعة المصرية بما يقرب من 150 عملًا إذاعيًا، ليؤكد حضوره في مختلف مجالات الفن.
ولم تمر مسيرته الكبيرة دون تقدير رسمي، إذ منحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1962 وسام الفنون، تقديرًا لإسهاماته الكبيرة في خدمة الفن والثقافة المصرية، وتكريمًا لمسيرة حفلت بالعطاء والإبداع.

وجاءت نهاية رحلته الفنية بصورة مؤثرة، إذ تعرض لأزمة قلبية مفاجئة أثناء تصوير مشاهده في فيلم "ليلة الزفاف"، ولم يتمكن من استكمال العمل، ليرحل عن عالمنا في 17 يوليو 1965، تاركًا خلفه تاريخًا فنيًا لا يزال حاضرًا رغم مرور العقود.