لم تكن مجتمعاتنا يومًا خالية من الأخطاء أو المشكلات، فكل مجتمع بشري يحمل في داخله القوة والضعف. لكن ما يثير الانتباه في السنوات الأخيرة هو الشعور المتزايد بأننا أصبحنا نعيش وسط موجة غير مسبوقة من المشكلات والسلوكيات السلبية التي لم نكن نراها أو نسمع عنها بهذا القدر من قبل. والسؤال هنا: هل تغير الناس فعلًا إلى هذا الحد، أم أن طريقة تعاملنا مع الأحداث هي التي تغيرت؟
مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح كل شخص يحمل كاميرا قادرة على توثيق أي موقف في لحظته. لم يعد الهدف دائمًا هو توثيق المخالفات الخطيرة أو الدفاع عن الحقوق، بل تحول الأمر في كثير من الأحيان إلى سباق محموم لالتقاط أخطاء الآخرين ونشرها على الملأ بحثًا عن المشاهدات والتفاعل.
في الماضي، كان من يرى خطأً من شخص ما يسعى غالبًا إلى نصحه أو معالجة الأمر في نطاقه الطبيعي. أما اليوم، فقد أصبح التصوير هو رد الفعل الأول لدى البعض، ثم يأتي النشر والتعليق والسخرية وربما إصدار الأحكام قبل معرفة الحقيقة كاملة. وهكذا يتحول خطأ فردي إلى قضية عامة، ويتحول شخص عادي إلى مادة للنقاش والتشهير بين آلاف أو ملايين المتابعين.
لا شك أن التصوير قد يكون أداة مهمة لكشف الجرائم أو حماية الحقوق أو توثيق الوقائع التي تهم الرأي العام، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التصوير غاية في حد ذاته، وعندما يتحول المجتمع إلى مجموعة من المراقبين الذين يترصد بعضهم بعضًا. في هذه الحالة تتراجع قيم الستر والنصيحة، ويحل محلها منطق الفضح والتشهير.
إن كثرة تداول المقاطع المثيرة والمشاهد الصادمة تخلق أيضًا انطباعًا مضللًا بأن المجتمع كله يسير نحو الانحدار، بينما الحقيقة أن جزءًا من هذا الشعور ناتج عن أن كل حدث أصبح يجد طريقه إلى الشاشات خلال دقائق. فما كان يحدث في نطاق محدود أصبح يُعرض على الجميع، وما كان يُعالج بهدوء أصبح مادة للنقاش العام.
المجتمعات لا تُبنى بكشف عثرات الناس، بل بإصلاحها. ولا تُقاس قوة المجتمع بعدد المقاطع المنتشرة على مواقع التواصل، بل بقدرته على الحفاظ على قيم الاحترام والخصوصية والتكافل بين أفراده. فبين حق المجتمع في المعرفة وحق الإنسان في الكرامة مساحة واسعة من المسؤولية الأخلاقية التي يجب ألا تضيع وسط سباق المشاهدات.
ربما نحتاج اليوم إلى إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: ليس كل ما يُصوَّر يجب أن يُنشر، وليس كل خطأ يستحق أن يتحول إلى فضيحة عامة. فحين يغيب الستر وتختفي الحكمة في استخدام التكنولوجيا، ندفع جميعًا ثمن مجتمع يتسع فيه نطاق التشهير أكثر مما يتسع فيه نطاق الإصلاح.