إن أقسى أنواع "الوحدة" ليست في خلو المكان من البشر، بل في ازدحام المكان ب "وجوه لا تعرف حكايتنا"، ولا تدرك معنى نبرة الحزن في أصواتنا.
الوحدة في الغربة ليست اختيارًا، بل هي "ضريبة المساحة" التي قررنا أن نشغلها بعيدًا عن جذورنا، الغربة التي جعلتنا "كأعجاز نخل خاوية" فأصبحت روحنا يابسة، وبالية،وفارغة.
يبدأ الانكسار الحقيقي حين ينتهي ضجيج العمل. في تلك اللحظة التي تغلق فيها باب مسكنك، ويسقط القناع "العملي" الذي ترتديه طوال النهار. هنا، في زوايا الغرفة المظلمة، يهاجمك الياأس كوحش كاسر. فتبحث في شريط الذكريات عن وجه تألفه، عن "عين" تفهمك دون أن تتكلم، فلا تجد إلا صدى صوتك أو برودة شاشة الهاتف التي باتت صلتك الوحيدة بالحياة.
تأتي لحظات الإحباط حين تشعر أنك مثل "سيزيف"، تحمل صخرة طموحك وتصعد بها الجبل كل يوم، وفي اللحظة التي تظن فيها أنك وصلت، تتدحرج الصخرة... لتبدأ من جديد.
في الغربة، الإحباط له طعم صحراوي مٌر؛ لأنه مقترن بالخوف، الخوف من أن يمر العمر وأنت لا تزال هنا عند سفح الجبل، لا نلت مجد الوصول، ولا احتفظت بدفء البقاء في موطنك.
إن أصعب ما في الغربة هو "ألم صامت". فأنت لا تملك ترف الانهيار، لأن الانهيار في الغربة مكلف جدًا، ومع ذلك فأنت فارس مغوار صمد في وقت انهارت فيه شعوب، وضاعت أقوام، وضرب اليابان زلزال بقوة ٧ بمقياس ريختر
في الغربة عليك أن تبتلع غصتك قبل مكالمة الفيديو مع أهلك لكي لا تثير قلقهم، وستعد لمكالمة ٨٠ % منها كذب و٢٠% منهاةكل تمام وماشية الدنيا، ثم تخرج يوم عطلتك وفي يوم العطلة تلتقي الأقارب والأصدقاء وعليك أن تبتسم في وجه من حولك لكي لا تثير شفقتهم، هذا "التمثيل المستمر" هو قمة اليأس؛ أن تتألم وحدك، ثم تخرج للعالم كل الصباح وكأنك لم تذق وجعًا قط.
ومع الوقت، يتسلل شعور غريب إلى النفس؛ تشعر أنك فقدت صلتك بالقديم وانت تعرف أن كل ما هو قديم جميل، وتعاود وتسأل نفسك مات جدي الذي صاحبته، وذهبت من بعده جدتي التي كانت تحضر طعامي من السمن البلدي الذي أحبه، ثم تفتح هاتفك لتجري اتصالًا بعمك وعمتك تبحث فيهما عن صوت الراحلين ورائحتهم، تهاتفهم ويا لسعادتهم هم... ويا لوجعك أنت، فعمتك الجميلة كبرت باتت تشبه جدتك وعمك الذي كان شابا مفتول العضلات اشتعل رأسه شيبًا، ومن بعد مكالمة طويلة سيعطون المكالمة إلى ذلك الطفل الصغير الذي حملته عن ولادته ليبلغط بأنه للتو تخرج من الجامعة، ثم تغلق المكالمة مسرعًا إلى المرآة لتجد نفسك انت ايضا كبرت وزاد وزنك وأصبحت الآن لا تستطيع التخلص من الدهون الزائدة الملتفة حول خصرك، لم يعد شيئا على ما كان في الماضي، فالماضي كان رشيقا والحاضر بات ممتلأً بالترهلات !
وبعد سنوات من الغربة، تكتشف أنك الآن أصبحت "كائن بيني"، تسكن في المطارات وسنوات عمرك باتت محشورة في حقائب السفر التي وضعت فيها كل ما جمعت، فكل سنة مرت من عمرك ستتلخص في ٣٠ كيلو غرامًا في شنطة سفر متوسطة الحجم، وأمتعتك باتت تزن ١٢ شهرًا سرقوا من شبابك.
إن لحظات الألم الحقيقية هي حين تشعر بـ "اليتم الوجداني"؛ الذي بداخللك حين تدرك أنك كبرت فجأة، وأن الغربة قد سرقت منك "خفة الروح" وتركت لك وقارًا حزينًا لا يشبهك أبدًا ولا يليق بك...