رئيس التحرير
أيمن حسن

في زمن لم تعد فيه الكلمة تُكتب على جدار، بل تُنشر بضغطة زر وتنتشر في ثوانٍ، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لكل شيء؛ للحق أحيانًا، وللباطل كثيرًا، وللتشهير في أحيان ليست قليلة. وبينما وُجدت هذه المنصات لتقريب الناس وتبادل المعرفة، تحولت لدى البعض إلى “سلاح ضغط” يُشهر في وجه الآخرين لإجبارهم على التنازل عن حقوقهم، أو دفعهم للسكوت خوفًا من الفضيحة.
لم يعد غريبًا أن نرى خلافًا بسيطًا بين شخصين يتحول إلى “ترند”، ولا نزاعًا ماليًا أو اجتماعيًا يُدار على صفحات فيسبوك بدلًا من ساحات القضاء. الأخطر من ذلك أن البعض بات يستخدم “فضح الناس” كوسيلة تفاوض، فينشر صورًا أو روايات غير مكتملة، أو يقتطع من الحقيقة ما يخدم روايته فقط، فيتشكل رأي عام سريع لا يمنح صاحبه فرصة للدفاع أو التوضيح.
هنا تتحول الكلمة من أداة بناء إلى أداة هدم، ومن وسيلة إنصاف إلى وسيلة ابتزاز معنوي. وفي كثير من الحالات، يرضخ الطرف الآخر لا لأنه مخطئ، بل لأنه يخشى على سمعته من التشويه، وعلى أسرته من الألم، وعلى مستقبله من وصمة قد لا تُمحى بسهولة.
والسؤال الأخطر: أين الحقيقة وسط هذا الضجيج؟
في الشريعة الإسلامية، جاء التحذير واضحًا وصريحًا من خوض الأعراض أو نشر الفاحشة أو إشاعة ما يسيء للناس دون بينة. قال الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا”، وهو أمر إلهي مباشر بضرورة التحقق قبل النشر أو الحكم. فكيف بمن يحكم ويُدين وينشر ويُشهر دون تحقق أصلًا؟
وقال النبي ﷺ: “كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع”، وهي قاعدة أخلاقية عظيمة لو التزم بها مستخدمو السوشيال ميديا لخفّت كثير من الأذى الذي نراه اليوم.
التشهير ليس شجاعة، بل في كثير من الأحيان ضعف في الحجة، وعجز عن الوصول للحل العادل، فيُستبدل القانون بالضغط الاجتماعي، والعدالة بالرأي العام الموجه.
ولا يعني ذلك إنكار حق المظلوم، أو منع الناس من المطالبة بحقوقهم، لكن الفارق كبير بين “الشكوى العادلة” و”الفضح المقصود”. الأولى تُعرض على الجهات المختصة أو تُطرح بحدود الأدب والحق، أما الثانية فهي طريق سريع لهدم البيوت وتشويه السمعة قبل أن تُعرف الحقيقة كاملة.
إن أخطر ما في هذا الواقع الجديد أن “السمعة” أصبحت هشة، تُكسر في دقائق، بينما يستغرق ترميمها سنوات، إن أمكن أصلًا. لذلك، فإن مسؤولية المستخدم لم تعد ترفًا أخلاقيًا، بل واجبًا دينيًا وقانونيًا وإنسانيًا.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم:
ليس كل ما يُنشر يُصدق، وليس كل من يُشهر به مذنب، وليس كل “ترند” دليلًا على الحقيقة.
فاحذر أن تكون جزءًا من ظلمٍ لا تراه إلا بعد فوات الأوان، وتذكر دائمًا أن كلمة واحدة قد تُنصف إنسانًا… أو تُهلكه.

تم نسخ الرابط